هواكم على هواكم

ما الذي يدفع بوتين للقاء رئيس دولة 13 مرّة في سنة واحدة؟

19/10/2015 [ 20:13 ]
تاريخ اضافة الخبر:
ما الذي يدفع بوتين للقاء رئيس دولة 13 مرّة في سنة واحدة؟

هواكم / لمزيد من الدقّة، 13 مرّة في أقلّ من سنة واحدة. في منطقة يعتبرها كثيرون "محور التاريخ"، من الضروريّ دوماً الحفاظ على التوازنات التي تحمي هذا المحور من الاضمحلال. ففي هذه المنطقة، إذا خسر الانسان التاريخ فسيخسر الجغرافيا معها. والعكس صحيح.

وبما أنّ الرئيس الروسي فلاديمير_بوتين ليس في وارد الخسارة الاقتصاديّة أو العزلة السياسيّة، سيقاتل بجميع الوسائل الديبلوماسيّة لتمتين العلاقات مع حديقة روسيا الخلفيّة. من هنا، يخفت أيّ داعٍ للعجب عندما يعلم المرء أنّ بوتين التقى نظيره القازاقي هذا العدد من المرّات.

"قازاقستان، كانت وتبقى وستظل الجار والحليف الاقرب والأوثق لروسيا". بهذه الكلمات عبّر رئيس قازاقستاننور_سلطان_نازارباييف عن تأييد بلاده الدائم للجار الروسي. ولم يتأخر بوتين بالردّ على تلك التحيّة بأحسن منها فقال عن العلاقة الثنائيّة بين البلدين: "هذه علاقة حلف حقيقيّ بكلّ ما للكلمة من معنى".

جاء هذا الودّ الكلاميّ، والمقترن بودّ الحدّ الأدنى على الأرض، بعد زيارة رسميّة قام بها بوتين الى هذه الدولة منذ يومين تناولت مسائل اقتصاديّة وسياسيّة استراتيجيّة لكلا الطرفين. ووفقاً لوكالة "تاس" الروسيّة إنّ اللقاء بين الرجلين هو اللقاء الثالث عشر في سنة 2015 فقط.

الاتفاقات الاقتصاديّة

كاثرين بوتز كتبت في مجلّة "ذا ديبلومات" أنّ الطرفين شدّدا على أهميّة تحسين العلاقات الاقتصاديّة خصوصاً بعد الصعوبات الماليّة التي نجمت عن انهيار الروبل وانخفاض أسعار النفط. فركّز الرئيسان على إنشاء مشاريع عدّة عبر الحدود تتعلّق بالنفط والغاز وبناء مصانع التجميع والتعاون في مجال صناعة القطارات ولاحقاً في مجال صناعة المروحيّات العسكريّة. ووقّع الطرفان أيضاً على وثيقة تتعلّق بإنتاج النفط المشترك في بحر_قزوين.

ومن العلاقات الاقتصاديّة انتقل الرجلان الى العلاقات الامنيّة الاستراتيجيّة، حيث لحظ الاتفاق تعاوناً في مجال إطلاق الصواريخ من القاعدة الروسيّة في دومباروفسكي. فبما أنّ هذه المنطقة واقعة على الحدود، سيسمح الاتفاق باستخدام بعض الاراضي داخل قازاقستان كمنطقة تستقبل الاجزاء المعدنيّة المتفلّتة من الصواريخ، خصوصاً أنّ هذه المنطقة التي أعدّت من أجل إطلاق الصواريخ الباليستيّة سابقاً تمّ تطويرها لغرض إطلاق الاقمار الاصطناعيّة أيضاً.

جسّ نبض؟

نازارباييف استقبل الاسبوع الماضي الرئيس الاوكراني بيترو_بوروشينكو في سياق إثبات خبرته في إتقان السياسة المتوازنة بحسب المجلّة. وتضيف أنّ الاحتمال الاوسع يشير الى تطرّق الرئيسين خلف الابواب المغلقة الى كواليس تلك الزيارة ومفاعيلها، علماً أنّ بوتين لم يتطرّق الى الملف الاوكراني في المؤتمر الصحافي المشترك إلّا أنّه ألقى الضوء على المستجدّات السوريّة التي تمّت مقاربتها على هامش اجتماع النورماندي الرباعي في باريس في الثاني من الشهر الحالي والمرتبط بتنفيذ اتفاق مينسك. وعوضاً عن ذلك، تحدّث الرئيس الروسي في المؤتمر على ضرورة "ضرب الانشطة الارهابيّة" في سوريا.

من جهة أخرى، عبّر الرئيسان عن قلقهما تجاه طاجكستان التي تتعرّض لخطر الارهاب تحديداً بعد التدهور الامني الكبير الحاصل في أفغانستان. ودعا نازارباييف الى عقد منتدى تحت عنوان:"الاسلام ضدّ التطرّف" وأيّد بوتين تلك الفكرة. وأضافت المجلّة أنّه الى الآن "من غير الواضح ما يجول في بال نازارباييف" تجاه هذه المسألة. وفي موقف لافت، صرّح نائب وزير الدفاع الروسي الجنرال يوري بوريسوف، اليوم من العاصمة القازاقية أستانا، أنّه يحتمل للجيش الروسي أن يكافح الارهاب ضمن نشر وحدات منه على الحدود بين أفغانستان وطاجيكستان.

قازاقستان مثال لروسيا؟

في حزيران الماضي، اقترح الوزير السابق للاقتصاد الروسي ألكسي كودرين تقريب موعد الانتخابات الروسيّة المقرّرة سنة 2017 لاحتمال مساهمة انتخابات مبكرة بإصلاحات إقتصاديّة مهمّة. وبالحقيقة، كانت هذه الفكرة مشابهة لما حصل في قازاقستان حيث أعيد انتخاب نازارباييف بحوالي 98% من الاصوات في نيسان الماضي لخمس سنوات، بعد تقريب موعد الانتخابات سنة واحدة. وكان البرنامج الانتخابي للرئيس المعاد انتخابه يتضمّن خمسة إصلاحات كبرى تتعلّق بالليبيراليّة ودعم السوق الامر الذي أدّى الى نتائج ايجابيّة بحسب كودرين.

الخبير الاقتصادي فلاديمير اوساكوفسكي يعتقد أنّ انتخابات رئاسيّة روسيّة مبكرة تعيد خلط الاوراق الحكوميّة، يمكن لها أن تؤدّي الى اصلاحات إقتصاديّة بشرط أن تأتي بتغيير جدّي. اوساكوفسكي وفي حديثه الى موقع "بيزنس انسايدر" يعرب عن اقتناعه بأنّ الحكومة الجديدة، فيما لو اتّخذت موقفاً حمائيّاً للوضع الحالي، ستؤثّر سلباً على الاسواق عندئذ، داعياً الى أن يكون التعديل الوزاري الكامل متضمّناً لاستقالة رئيس الوزراء دميتري_ميدفيديف الذي أدّت إصلاحاته الاقتصاديّة والسياسيّة الى نتائج عكسيّة. وبالتالي لا يتعلّق الامر بالتشبّه بقازاقستان بالمطلق بقدر ما يتعلّق بنوعيّة التعديلات وشخصيّة رئيس الوزراء الجديد بحسب أوساكوفسكي. وفي جميع الاحوال يبدو أنّ المسؤولين الروس لم يشاركوا كودرين اقتراحه. فبعض المقرّبين من بوتين ذهب الى اعتبار تلك الدعوة مدخلاً الى زعزعة الاستقرار في المجتمع الروسي.

عندما هدّد نازارباييف بوتين

يذكّر الكاتب دايفد كلارك في موقع "نيو ستايتز مان" بقول بوتين إنّ "قازاقستان جزء من العالم الروسي" حيث جاء ردّ فعل نازارباييف سريعاً عبر التهديد بالانسحاب من مشروع الاتحاد_الاوراسي. وكان ذلك المشروع أبصر النور السنة الماضية، عندما وقّعت عليه كلّ من روسيا وبيلاروسيا وقازاقستان ثمّ انضمّت اليه لاحقاً أرمينيا وقيرغيزستان واعتبر المشروع الاقتصادي الاوّل داخل رابطة اتحاد_الدول_المستقلّة. فقازاقستان تنظر الى الاتحاد الاوراسي على أنّه خطوة اقتصاديّة بحتة لا علاقة لها بالسياسة مطلقاً.

ونازارباييف يعرف جيّداً كيف يزن خطواته وكلامه. فهو أعرب عن "تفهّمه" قيام روسيا بضم القرم، في حين دعا "الى الحفاظ على سلامة الأراضي الأوكرانيّة ضمن جزء من مفاوضات تسوويّة". ويرى الكاتب ألكسي مالاشنكو في معهد كارنيغي أنّ موقف أستانا المتوازن في المسألة الاوكرانيّة لم يُرضِ موسكو لكن لا مجال للضغط عليها سياسيّاً أكان من الروس أم حتى من الغرب نفسه.

سرّ القوّة

لأستانا سياسة خارجيّة بأسهم توجيه متعدّدة او ما يعرف باللغة الانكليزيّة "multi-vectored foreign policy" . وتأتي تلك الرؤية في إطار تعزيز سيادة تلك الدولة عبر منع اعتمادها المفرط على محور واحد كما يقول كلارك. فهي عضو مؤسّس في الاتحاد الاوراسي وفي نفس الوقت أصبحت في شهر آب الماضي عضواً في منظّمة التجارة العالميّة. وارتباطها بمنظّمة معاهدة الامن الجماعي التي تقودها روسيا، لا يلغي شراكتها مع حلف شمال الاطلسي.

ومع ضعف الاقتصاد الروسي، فتحت قازاقستان سوقها للصين التي أصبحت المستثمر الاكبر في قطاع الطاقة داخل ذاك البلد وكذلك الامر في قطاع الاتصالات. وبحسب "نيو ستايت مان" فإنّ استثمارات الصين في هذه الدولة بلغت حوالي 68 مليار دولار ما سيؤدّي الى تمدّد النفوذ السياسي والاقتصادي لأستانا. وقوّت الاخيرة تعاونها مع الاتحاد الاوروبي في مجالات كثيرة، خصوصاً بعد إدراكها لقرب تراجع النفوذ الاميركي في المنطقة. وتوجّهت إقتصاديّاً أيضاً صوب كوريا الجنوبيّة، دول الخليج العربي، الهند وباكستان.

ذلك النجاح في نسج العلاقات الخارجيّة وتلك الدقة في الحفاظ على موازين القوى، جعلا من قازاقستان من بين البلدان الأكثر دهاء على صعيد السياسة الخارجيّة بحسب كتّاب كثر. فلم يأتِ انفتاحها على الصين إلّا للحفاظ على التوازن مع روسيا. ومع غياب الاميركيّين نظرت قازاقستان الى الاوروبيين. وفي حال تراجعت الصين اقتصاديّاً، سيكون لها القدرة على التعويض مع أقصى الشرق الآسيوي وإلّا فمع جنوبه.

فهل تحافظ دولة قازاقستان بهذه السياسة على المعنى الملازم لاسمها فتكون فعلاً "أرض الأحرار"؟

المصدر: صحيفة النهار اللبنانية

تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
النشرة البريدية
البريد الالكتروني
الاسم