هواكم على هواكم

العاشرة بتوقيت غزة

18/05/2016 [ 12:55 ]
تاريخ اضافة الخبر:
العاشرة بتوقيت غزة

هواكم - 

أصيب طفلي الصغير بإعياء مفاجئ وارتفاع في درجة حرارته، كنا وقتها نعاني من انقطاع التيار الكهربائي، وما كان ينير منزلنا سوى ليدات صغيرة «وهي عبارة عن لمبات تعمل عن طريق البطارية بعد شحنها وتستمر لعدة ساعات».

أصبحت أجوب في أرجاء المنزل ما بين الغرف والمطبخ، علني أجد مسكن الآلام وخافض للحرارة كنت أفتش عنه في الخزانات والأدراج تارة وفي الثلاجة تارة أخرى، فأنا لا أذكر أين وضعته آخر مرة؟! لم تكن كل الأشياء واضحة أمامي، حيث كانت «الليدات» ذات ضوء خافت بالكاد تنير المنزل، لأن البطارية أوشك شحنها على الانتهاء، كانت الساعة أشرفت على العاشرة مساء، ذلك الوقت الذي اعتدنا عليه منذ أكثر من عشر سنوات، ففيه يتم توصيل التيار الكهربائي يومًا بعد يوم، في تمام الساعة العاشرة، في حين يكون جدول الكهرباء 8 ساعات، واليوم التالي يتم فصل التيار الكهربائي في الوقت نفسه، تلك الحسبة لم يفهمها سوى سكان قطاع غزة، وظاهرة فريدة لم يشهدها العالم الغربي ولا العربي سوى الشعب الغزي، إن العاشرة مساءً يتحتم عليها أمور كثيرة قبلها وبعدها، فعليك الاستعداد دائمًا لما تريد فعله في العاشرة مساءً.

انتظرت حينها توصيل التيار الكهربائي بفارغ الصبر، حتى تمكن من الرؤية جيدًا والبحث عن العلاج لطفلي الصغير، وكأن حياتنا مرهونة ومحصورة ضمن وقت معين، كنت قلقة إلى حد كبير؛ حيث إن مجرد وعكة صحية مفاجئة لصغيري أثارت لي كل هذا الذعر والخوف!  تخيلت كثيرًا، وتساءلت ماذا عن المرضى الذين يعانون من أمراض أخرى مثل الربو الشعبي والالتهابات المزمنة في الشعب الهوائية، والذين بحاجة لتوفر التيار الكهربائي لتشغيل أجهزة التبخيرة داخل منازلهم بصورة مستمرة، ماذا عن كبار السن الذين يعانون من أمراض كثيرة مثل مرض «الروماتيزم» وأمراض الضغط والسكري، وماذا عن تأثير انقطاع التيار الكهربائي داخل المستشفيات؟ حيث ستتفاقم معاناة الأطفال من حالات الشلل الدماغي الذين هم بحاجة مستمرة لاستخدام أجهزة شفط الإفرازات، التي تعمل بالتيار الكهربائي، على مدار اليوم، وسيهدد أيضًا الأطفال الخدج في الحضانات، وسيؤدي إلى توقف بنوك الدم المركزية ومختبرات الصحة العامة وثلاجات تطعيمات الأطفال وثلاجات الأدوية الحساسة والعنايات المكثفة وأقسام الطوارئ والأشعة التشخيصية المختلفة، ومراكز الجراحات التخصصية وجراحة الأوعية الدموية والمخ والأعصاب والعيون والعظام وجراحة المناظير، جراء عدم انتظام التيار الكهربائي الواصل للحواسيب والأجهزة الطبية ذات اللوحات الإلكترونية الحساسة، علاوة على ما يتسبب به انقطاع التيار الكهربائي من تدهور الأوضاع النفسية للسكان سيما الأطفال منهم.

هل لك أن تتخيل معي في أية دولة كنت أو أية مدينة؟ كيف يكون أحوال شعب بأكمله يعيش سنوات طويلة على النمط نفسه، وكيف كان لانقطاع التيار الكهربائي المتكرر الأثر الكبير على مختلف مجالات حياته؛ فمثلاً من جانب الحق في المياه ، تدنت إمدادات المياه التي تصل للسكان بشكل خطير، وحتى في حال تم ضخ المياه لمنازل السكان فلن يستطيعوا إيصالها لطوابقهم العليا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، غير أن محطات التحلية الخاصة قلصت توزيع المياه للسكان بسبب تدني إنتاجها من المياه المحلاة وعدم قدرتها على التوزيع، ليصبح إنتاجها لا يتعدى النصف، بل إن هذه المحطات مهددة بالتوقف في حال استمرت الأزمة.

ومن جانب الحق في الغذاء وتهديده لعمل المطاحن والمخابز التي أوشكت بالتوقف عن العمل، وبالمجمل فقد طال هذا التأثير الثروة الداجنة والحيوانية والسمكية، حيث تضررت مراحل التربية والإنتاج والاستهلاك.

وعلى صعيد الحق في التعليم وما تعرض له من آثار سلبية بسبب انقطاع التيار الكهربائي الذي تسبب في عرقلة المسيرة التعليمة وحال دون سير العملية التربوية بشكلها الطبيعي داخل الجامعات والمدارس، لأنها تستعين بالطاقة الكهربية لإنارة القاعات والفصول وفي تشغيل الأجهزة العلمية والتكنولوجية.

وفي جانب الأوضاع الاقتصادية ، فإن الاقتصاد الفلسطيني تكبد خسائر فادحة بسبب تدهور القطاع الصناعي والتجاري الناجم عن ارتفاع تكاليف الإنتاج وخفض الطاقة الإنتاجية والتلف الكبير في المنتجات خاصة في الصناعات الغذائية، إضافة إلى تكاليف صيانة الماكينات والآلات والأجهزة الالكترونية، نتيجة تكرار الأعطال وعدم انتظام التيار الكهربائي، هذا بالإضافة إلى الأعباء المالية التي يتحملها أصحاب المحال التجارية نتيجة شراء السولار وصيانة المولدات.

كما أدى انقطاع التيار الكهربائي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية على أسر القطاع، مقابل ثمن الشموع ومصادر الإنارة البديلة، وشراء السولار بأنواعه والبنزين؛ مما يزيد من معاناة المواطنين الذين يعيشون أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة، يضاف إلى ذلك توقف عمل الثلاجات المنزلية بسبب انقطاع التيار الكهربائي مما يتسبب في فساد الأغذية المحفوظة بصفة عامة واللحوم والألبان والأسماك بصفة خاصة والتي قد تتحول إلى ناقل أساسي للبكتيريا المسببة للإسهال والتسمم الغذائي بين الأطفال خاصة وأنه من المتوقع أن ترتفع معدلاتها أيضًا جراء تلوث المياه والأغذية، إلى جانب ذلك الأعطال التي تحدث بالأجهزة الكهربائية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي أكثر من مرة وعلى غير ميعاد، وتكاليف وصيانة تلك الأجهزة نتيجة عدم انتظام التيار الكهربائي.

غير أن انقطاع التيار الكهربائي تسبب في وفاة أكثر من مواطن حرقًا، منهم أطفال ونساء بسبب استخدام الشموع في إنارة منازلهم، وانفجار المولدات الكهربائية، غير حالات الاختناق بسبب التدفئة من خلال الفحم في فصل الشتاء.

هل لك أن تتخيل كيف تم برمجة شعب بأكمله لينشغل تفكيره في «ماذا سيفعل قبل وبعد التيار الكهربائي؟» وكأننا في دائرة مغلقة، في حين ينشغل العالم الآخر بأمور أكبر وأعظم من ذلك، كالاختراعات والسفر والتطور العلمي والمشاريع الاستثمارية، هل لك أن تتخيل حياتنا كيف تزداد سوءًا عندما يتقلص جدول الكهرباء من 8 ساعات إلى 6 ساعات أو ربما أدنى من ذلك؟ هل تخيلت كيف تصبح حياتك بكامل تفاصيلها عندما تتحكم بها ظروف قاهرة خارجة عن إرادتك؟ وكيف تكون حياتك عندما تصبح محاصرًا لسنوات طويلة داخل بقعة صغيرة على كوكب الأرض؟ ألم أحدثك عن حصار غزة؟ إن لحصارها روايات أخرى.

كلمات دالّة
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
النشرة البريدية
البريد الالكتروني
الاسم