هواكم على هواكم

لماذا كتاب معجم محوسب ؟

20/05/2016 [ 13:26 ]
تاريخ اضافة الخبر:
لماذا كتاب معجم محوسب ؟

هواكم / بقلم إيمان دلول

- الصّناعة المعجميّة عند العرب: سبقت صناعة المعاجم عند العرب تنظيرها؛ فجاءت جمّة، وكانت مراميها جمع فصيح اللّغة سطورا في طروس؛ خدمة لكتاب الله تعالى، وحديث رسوله الأكرم –صلوات الله وسلامه عليه- فلا غور أن نجد مظاهر لغويّة معجميّة اهتمّت بشرح غريب القرآن الكريم، وما استشكل من الحديث النّبوي الشّريف لفظا وإعرابا قَصْدَ استنباط الأحكام الشّرعيّة مقابل مصنّفات أخرى تناولت الأضّداد والمثلّثات، وصفات الأشياء. ففي الفترة الّتي امتدّت من أواخر القرن الثّاني من الهجرة إلى بداية القرن الثّالث منها أينعت باكورة الثّمرة المعجميّة وهي معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (-175ه)، ولكنّ هذه الثّمرة بقيت صريمة لا تتّئم في غياب معايير علميّة محضة؛ وعليه، فإنّ الصّناعة المعجميّة تقوم على أساسين رئيسين، هما: - علم المعاجم: الّذي يشير إلى دراسة المفردات، ومعانيها. ويهتمّ علم المفردات من حيث الأساس باشتقاق الألفاظ، وأبنيتها، ودلالاتها المعنويّة والإعرابيّة، والتّعابير الاصطلاحيّة، والمترادفات، وتعدّد المعاني. ويعتني بوصف الوحدات المفرداتيّة دلالةً عن اللّسانيات البنيويّة. -

 

وعلم صناعة المعاجم: يتناول أنواع المعاجم، ومكوّناتها، وطرق إعدادها. ويعرف بمصطلح المعجماتيّة الّتي هي مجال التّطبيق اللّغوي لإنجاز معاجم أحاديّة اللّغة أو ثنائيّة اللّغة. وتتمثّل الصّناعة المعجميّة في ثلاث مجالات، هي: البحث العلمي ونمو علم المصطلح وتطوّر مؤسّسات التّرجمة وتقنيّاتها على حدّ تعبير "عليّ القاسمي". وتقوم الصّناعة المعجميّة على أمرين اثنين، هما: - الأمر الأوّل: التّنظير والتّقعيد، ويتمثّل في بناء الأسس النّظريّة لصناعة المعجم، وإعداد منهج علميّ دقيق للعمل المعجميّ، ثمّ توضيح الأهداف المرجوّ تحقيقها من هذا العمل. - الأمر الثّاني: الجانب التّطبيقي الّذي يُنجَز عبر مراحل ثلاث، هي: مرحلة ما قبل الإنجاز، مرحلة الإنجاز، وما بعد الإنجاز إنّ النّتاج النّهائي الّذي هو القاموس أو المعجم المنجز والمطبوع بين دفّتي كتاب يدفعنا إلى التّعامل معه تعاملا موضوعيّاً؛ فهو الواجهة الّتي تعرض جلّ الأعمال الّتي تمّت بعيدا عن الأنظار في غرف البحث والجمع والتّنقيب. ولكن الّذي يأسر اهتمامنا، نحن الباحثين، هو أن يستمرّ هذا المعجم في العطاء، وأن يكون جديرا بكونه مرجعاً لغويّاً؛ وذلك من خلال تحيينه بشكل دوريّ، ويكون بالحذف والإضافة أو الإدراج، ثمّ يعاد إصداره، وهذا كلّه ليواكب المستجدّات اللّغويّة المتنامية، ويحاذي التّطوّرات التّقنية الّتي تخصّ الصّناعة المعجميّة بوجه محدّد. - المعايير الّتي يجب توفّرها في الصّناعة المعجميّة: لعلّ المعيار في مفهومه الأشمل يدلّ على ما يجب أن يكون، وما نقصده هو الأسس الّتي من الواجب إرساؤها حتّى تلتئم الصّناعة المعجميّة مع ماهيتها فتحصل على الإجماع العلمي،

ومن هذه الأسس: جمع المعلومات والحقائق، واختيار المداخل الّتي هي العمود الفقري لكلّ معجم إذ هي الوحدة الّتي تفرش جناحيها على كلّ المشتقّات الّتي تندرج تحت ظلّها، أو هي البنية الأساسيّة الثّابتة للكلمة ومشتقّاتها، وقد تكون بسيطة أو مركّبة أو معقّدة، ثم يأتي ترتيب هذه المداخل ضمن نظام معيّن، داخليّا كان أو خارجيّا، ثمّ تأتي بعده كتابة الموادّ؛ لتختم بطباعة المعجم. كلّ هذه الأعمال الجليلة والدّقيقة بمعيّة العنصر البشريّ الكفء تبقى من دون جدوى تذكر لو لم يتمّ تحيينها وإدارة عجلتها نحو الأمام وهي تواكب العصر ومياسمه. فالإطار المناسب لهذه السّيرورة والصّيرورة معا هو الحاسوب وذكاؤه الاصطناعي وبرمجيّاته. - المعجم المحوسب: أصبح المعجم المحوسب ضرورة معرفيّة؛ بل فرض المعجم نفسه فرضا على الباحثين في بطون المعاجم المتعدّدة والمختلفة، إذ يقلّص مدّة البحث من دقائق إلى ثوان بل إلى لحظات، ابتغاء تسهيل عمليّة التّعليم وتيسيرها على المتعلّم قَصْدَ الحصول على المعلومات بأقصر الطّرق وأنجعها. والنّاظر في المعاجم المحوسبة باختلاف لغاتها يجدها ذات استعمال واسع وسريع يفي بالغرض من حيث البحث والتّنقيب. فمن المعجم المتوسّط إلى المعجم الموسوعي، تتنوّع المادّة المعجميّة، إلّا أنّ اللّغة العربيّة بامتداد مفرداتها واشتقاقات ألفاظها وجهود المجامع اللّغوّية والمعجميّين أيضا؛ بقيت في منأى عن حوسبة مادّتها الغنيّة والجمّة بالصّورة الّتي ظهر بها معجم أوكسفورد الانجليزي أو معجم لاروس الفرنسي وما شابههما. - حوسبة المادّة اللّغويّة: لحوسبة المادّة اللّغويّة سبيلان: الأوّل- أخذ المادّة من المصادر الورقيّة كما هي دونما إجراء تغيير أو تعديل أي معلومة من الكتاب الورقي أو الإلكتروني المصوّر الموافق للمطبوع أو الّذي تتوفّر فيه خاصيّة تحرير النّصوص وتعديلها أو إمكانيّة تحويلها إلى صيغة تلائم قواعد بيانات تكون قابلة للحوسبة، كتحويلها إلى بيانات (MySQL)، ومن ثمّ إدماجها ضمن موقع إلكتروني؛ ليتمّ عرضها بآليّة معيّنة. وهذه العمليّة تسمّى الرّقمنة اللّغويّة. فالرّقمنة هي أولى خطوات الحوسبة في الواقع؛ فلا حوسبة لأي مادّة لغويّة بدون وجود مصادر رقميّة متاحة، أو على الأقل رقمنتها أثناء الحوسبة. الثّاني- إعادة صياغة المادّة اللّغويّة وفق منهجيّة واضحة، مدروسة ومحدّدة؛ وذلك بالتّركيز على الجزء المطلوب من محتوياتها كما هو الحال في مشروعنا الخاصّ بمعجم الأفعال الثّلاثيّة المجرّدة، ثمّ جدولتها بطريقة تناسب تحويلها إلى صيغة من صيغ الحوسبة يمكن دمجها في موقع إلكتروني، ثمّ يتمّ عرضها بطرق كثيرة تناسب جميع فئات المستخدمين. وهذه العمليّة تسمّى الحوسبة. فالحوسبة تقتضي خوارزميّات حاسوبيّة من شأنها معالجة هذه المادّة اللّغويّة المرقمنة وتقديمها للاستغلال الآلي للمستخدمين. - استخراج المادّة اللّغويّة بعد حوسبتها، ويكون ذلك بعدّة صور، منها: - استغلال المادّة اللّغويّة المحوسبة لبناء أنطولوجيا اللّغة العربيّة. - دمج المادّة اللّغويّة المحوسبة في بيئة لتحرير النّصوص ومعالجتها باللّغة العربيّة حتى يراها المستخدم مصدرا حيويّاً يساعده على تحرير نصوصه قَصْدَ إفادته بالمعاني والأفكار. - استغلال المادّة اللّغويّة المحوسبة من خلال دمجها ضمن آليّة التّرجمة الفوريّة. - تفريغها على أقراص مضغوطة (CD)، أو (DVD)، أو فلاشات ذات مساحات حرّة. - يمكن الاستفادة منها في مشاريع مستقبلية تهدف إلى حوسبة اللّغة العربيّة. - الحاسوب وتقنيّاته في المجال اللّغوي: يعدّ الحاسوب أداة تقنيّة تقوم بحفظ النّصوص، والمعاجم، وفهرستها، وتحليلها ثمّ معالجتها. ومن البديهي أن نراه يقوم بحوسبة المعاجم بسهولة تامّة وإمكانات متنوّعة من خلال: - إمكانيّة حفظ المواد اللّغويّة على أقراص صلبة وثابتة، وأخرى مضغوطة ومتنقّلة أو ذاكرة ذات مساحة حرّة، وحتّى على شبكة الإنترنت. - سهولة نمذجة النّصوص وجدولتها وتحيينها كذلك –في أيّ وقت- بسرعة فائقة؛ حتّى تسهّل عمليّة تنامي الإنتاج اللّغوي وتطويره. - يمكننا من خلال الحاسوب بناء المعاجم اللّغويّة الضّخمة والموسوعات مع توفّر إمكانيّة سرعة البحث فيها عن أي معلومة بسهولة بالغة، وهذه من ميّزاته الاستيعابيّة. فضلا عن إمكانيّته تحقيق المنهجيّة والموضوعيّة في الأعمال اللّغويّة. - يحقّق التّرجمة الآليّة وتطويرها. - يمكن للحاسوب أن يحلّل العلاقات التّرابطيّة بين المعاجم وعناصرها، كتحليل جذر الكلمة وصيغها الصّرفية، وما يكون ذات صلة بها. - يوضّح الدّلالات المعجميّة للمفردات وتحليلها وصولا إلى المبادئ الأساسيّة الّتي تبنى عليها صياغة مفردات المعجم. ويتحقّق كلّ ذلك من خلال كافّة المجهودات المبذولة من الكادر البشري، ودقّته في إدخال الحرف العربي إلى الحاسوب؛ لنحصل على معلومة صحيحة ودقيقة خالية من الأخطاء الّتي يمكن تداركها بالمراجعة والتّدقيق اللّغوي وما يتعلّق به.

- حوسبة المعاجم العربيّة والمشاريع المنجزة: من المشاريع المنجزة الّتي حوسبت المعاجم العربيّة فأدمجتها ضمن مواقع إلكترونيّة، نجد موقع معاجم اللّغة، الّذي يضمّ معجم لسان العرب، مختار الصّحاح، المعجم الوسيط، تاج العروس والصّحاح في اللّغة، وكذلك موقع الباحث العربي، قاموس المعاني، وموقع الرّديف. وممّا يؤخذ على هذه المواقع أنّ أصحابها أو مؤسسيها تقنيّون فنّيّون ليسوا لغويين أو معجميّين. قاموا بعمليّة نسخ ونقل المادّة اللّغويّة دونما تدقيق أو تمحيص. فكان أحرى بهم أن يشركوا في عملهم أهل الدّراية بالمعاجم وديالمها؛ لذا تبقى اللّغة العربيّة بحاجة ماسّة إلى الدّراسات المعجميّة وعلومها وصناعتها علميّاً وتقنيّاً. فالحاجة صارت ملحّة لتحديثها وإعادة صياغتها وتبويبها؛ لتيسير حوسبتها ومن ثمّ تهيئتها للطّلبة والباحثين في قوالب تقنيّة تواكب العصر الرّقمي؛ والّتي تتمثّل في تطبيقات برامج الحاسوب، والهواتف الذّكيّة، والأجهزة اللّوحيّة. ضف إلى ذلك مقوّمات اللّغة العربيّة نفسها الّتي تحمل في جيناتها ما يجعلها تتبوّأ المقام الأوّل لو استفدنا أيّما استفادة من الأنطولوجيا العربيّة الّتي تشتمل على المفردات مع مواصفات معانيها. فالمعاجم المحوسبة والموارد اللّسانيّة المتاحة، مثل: المسارد، والمكانز، والمدوّنات النّصية، تعدّ الرّكيزة الأولى لبناء أنطولوجيا اللّغة العربيّة؛ لأنّها تعدّ الجيل الجديد للمعاجم العربية. وواجب علينا ألّا نغفل عن هذا. وما الجهود العلميّة المبذولة في الجامعات والدّول العربيّة عنّا ببعيد. - إعداد معجم معاني الأفعال الثّلاثيّة المجرّدة: إنّ برنامج معجم معاني الأفعال الثّلاثيّة المحوسب يعدّ المستوى التّطبيقي للمعجم؛ فهو يعوّض ما تمّ ترميزه بما يقابله سواء من الأبواب السّتّة لأوزان الفعل، ومراجع المعنى، أو مراجع سياقات المعنى، ويتمّ ذلك كلّه عند عرض النتائج.

- الخلاصة: وقد خَلُصَتْ الدّراسة إلى توظيف ما استطعنا إنجازه من المعجم في برنامج محوسب يسهّل عملية البحث والاسترجاع في قاعدة بيانات المعجم انطلاقا من نوافذ وقوائم سهلة الاستخدام، ونأمل أن يستغّل الحاسوبيّون هذا المعجم في إدماجه ضمن بيئات حاسوبيّة متكاملة؛ لتحرير النّصوص حيث تفيد الكتّاب والمؤلفين والمحرّرين؛ فيوفّر لهم بذلك الدّعم اللّغوي الّلازم، أو أن يتمّ استغلاله في تصميم وإنجاز أنطولوجيا الأفعال العربيّة. وتؤكّد الدّراسة على ضرورة تلاقح أفكار اللّغويّين والحاسوبيّين؛ لتهيئتها إلى ثمار يروم لنا قطفها خدمةً للعربيّة؛ وذلك بإنجاز مشاريع مشتركة بينهما. وختاما، فالحلم بمعجم عربي- عربي موحّد، أو محرّك بحث مرن يشمل جلّ المعاجم العربيّة.

 

يكاد يكون حقيقة لولا السّياسات المتعجرفة والتّصوّرات الضّيقة؛ ولو تضافرت فيه كلّ الجهود وخلصت قبله كلّ النّيات لتوحدت المعاجم في معجم واحد. فالقول طغت نبراته، أمّا الواقع فجرت فيه سطواته، وما يجري فيه مخالف للقول؛ فنحن أمّة لدينا ما يوحّدنا أكثر مما يفرّقنا.

 

مؤلف الكتاب
محاضر جامعي أكاديمي في الكلية الجامعية للعلوم والتكنولوجيا

 

 

 

 
كلمات دالّة
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
النشرة البريدية
البريد الالكتروني
الاسم