هواكم على هواكم

سينما لا تُشبه السينما

26/05/2016 [ 10:21 ]
تاريخ اضافة الخبر:
سينما لا تُشبه السينما

هواكم /  بقلم شرين العكة 

هنالك فئة من الناس تؤمن بأن الخطاب المؤثر أحد تعبيرات القوة الناعمة التي يتبارى السياسيون والإسلاميون وقادة التنظيمات في بث معتقداتهم من خلالها. مخرجو السينما أيضًا يؤمنون بذلك، لكنهم يجدون من يحاربهم ربما خوفًا من توغل هذه الأداة.

وعادة لا يستمع الناس إلى السياسة، لكنهم غالبا مأخوذون بالسينما. لطالما أحبَّ الناس هذه الطريقة، فهي تنقل وقائع حياتهم ممزوجة بالخيال الذي يتمنّونه، إلا أنه أحيانا الرغيف أهم من السينما، وهذه نظرة طبيعية من المواطن، ولكن لا يجب أن تكون كذلك من المسؤول.

لم يحدث في حياتي أن دخلت قاعة سينما وأنا على باب الثلاثين، لم أشعر بتلك العتمة، والشوق للشاشة الكبيرة، فآخر قاعة عرض في غزة تم تدميرها عام 1987 أي قبل ميلادي بثلاث سنوات، أيضًا لم تُتح لي الفرصة للسفر خارج حدود القطاع المحاصر، لذا فإن حدثا كمهرجان السجادة الحمراء السينمائي الذي أُقيم في 12 من شهر مايو الجاري، بالنسبة لي لم يكن حدثاً عادياً أغطيه كأي صحافية، بل مسني شخصياً.

خليل المزين مدير المهرجان قال لوسائل إعلام دولية إن كل خطوة لإقامة هذا المهرجان مرّت عبر التفاوض مع الأمن؛ سواء في ما يتعلق بمكان المهرجان الذي لم يكن مكانا مفتوحا كما العام الماضي، أو بسبب الاختلاط وهو الأمر الذي لا أستطيع الفصل فيه، فمعظم الزائرين من العائلات، وكذلك في الرقابة على الأفلام التي يتم عرضها، والتي لا تعبر سوى عن قضايا حقوقية، أغلبها يخاطب الشباب اليائس في غزة أنهم ليسوا وحدهم من يعانون، وتوصل الطرفان إلى اتفاق من الملاحظ أنه لا يشبه ظروف السينما في شيء.

لم يحدث في حياتي أن دخلت قاعة سينما وأنا على باب الثلاثين، لم أشعر بتلك العتمة، والشوق للشاشة الكبيرة، فآخر قاعة عرض في غزة تم تدميرها عام 1987 أي قبل ميلادي بثلاث سنوات

 

على أية حال أُقيم المهرجان واستمر أربعة أيام، حاملاً عنوان "بدنا نتنفس"، وفرشت السجادة الحمراء على مدخل مركز رشاد الشّوا الثقافي، حضر المهرجان ما يزيد عن ألف شخص لم يتمكن جميعهم من الحصول على مقعد، فمنهم من افترش الأرض وآخرون استندوا إلى الجدار. أيضًا وزير الثقافة الدكتور إيهاب بسيسو المتواجد في رام الله لم يُحجز له مقعد بين الشخصيات الاعتبارية، فقد سجّل حضوره عبر تسجيل فيديو قال فيه كلمته مؤكدًا على عدم نسيان حِصَّةُ غزة من الثقافة.

في بداية المهرجان، ووسط انفعال الحضور وتصفيقهم اعتلى المخرج المزين المنصّة واستطاع أن يكسب استماعهم، خاطبهم معتذرًا: "لم أشأ أن أعتقلكم في مكان مغلق، أردت أن تُفرش السجادة في العراء، في ميناء غزة، لكنني لم أفلح"، غير أن الحضور لم يدع له فرصًة للاعتذار مجددًا فصفقوا بحرارة أكبر.

بعد مرور نصف ساعة على بدء فيلم الافتتاح "يا طير يا طايرTHE IDOL " أُطفأت الأضواء على غفلة، فصفق الحضور وهلل فرحًا، واندفع أحد رجال الأمن بين الممرات يحمل ضوء كشافا صغيرا يضيء به على الصفوف، لكن الإضاءة عادت من جديد في القاعة، وكلها بأوامر أمنية خوفاً من حدوث شيء غير أخلاقي في الظلام، إنه نوع من توقع نوايا سيئة لألف متفرج ومتفرجة.

وعلى الرغم من رداءة الصوت وتشوش الرؤية، إلا أن الجمهور بقي حتى النهاية يُشاهد فيلم THE IDOL الذي أُفتتح به المهرجان ويحاكي قصة حياة الفنان الفلسطيني محمد عساف.

وكانت النسخة الأولى من المهرجان قد أقيمت العام الماضي على أرض حي الشجاعية المدمر بفعل العدوان الإسرائيلي 2014.

استمرت عروض الأفلام في قاعة الشّوا ليومين فقط، بينما تم استكمالها في قاعة سعيد المسحال غرب غزة، بمشاركة 30 فيلمًا، تنوعت بين الروائي والقصير وأفلام الأنيميشن، وكلها لا تخرج عن قضايا حقوق الانسان.

قاعة المسحال صغيرة الحجم، ما أن دلفنا إليها حتى لاحظنا أنه تمّ تخصيص المقاعد بطريقة تفصل بين الإناث والذكور، وحين بدأ عرض الأفلام تم إطفاء الانارة في القاعة بشكل كامل، طالما أن الفصل في هذا القاعة الصغيرة مضمون.

استمرّ الغزيون في التدفق على المهرجان طيلة أيام العرض؛ من أعمار وتوجهات مختلفة، وكانت تبدو على الجميع السعادة، عدد كبير من المارة توقف لالتقاط صور السيلفي على السجادة الحمراء، إنها ما تفعله السينما بالحشود، أو سعداء بهذا "العيد" كما عبّرت إحداهن على صفحة المزين عبر الفيس بوك: "شعرتُ أنني انسانه ..شكرًا لك"، وأكد المزين أن إدارة مركز الشّوا ناشدته بعد انتهاء المهرجان أن يُزيل البوسترات الخاصة به، فالناس لا يزالون يتوافدون إليه لمشاهدة الأفلام.

أحد رجال الأمن قال: "لديَّ شاشة تلفاز كبيرة في المنزل أشاهد عليها ما أشاء براحة وهناءة" في إشارة إلى الاستهانة بالسينما، وتقليل من قيمة المهرجان، ما يترك علامات استفهام إذا كانت مثل هذه العقليات هي التي تتحكم بالذائقة الجماهيرية، وأولوياتها. وأيضا الأمر الذي يجعل كثيرين لا يتوقعون أن يمشوا على هذه السجادة الحمراء مجددًا، لكن المخرج خليل المزين، هذا الكائن النزق، وعد جمهوره أن يفرشها مجدداً فإن "غزة تستحق"، على حد قوله.

 

 

 

 
تعليقات الفيسبوك
تعليقات الموقع
النشرة البريدية
البريد الالكتروني
الاسم